قضايا و حوادث غريب: المتحيّل أستاذ والضحية عاطلة عن العمل منذ 10 سنوات!
نسمع يوميا عن عمليات نصب وتحيل ممّا يجعلنا نحتاط ونحذر كل الحذر في تعاملاتنا مع من حولنا، لكن ماذا لو كان المتحيل أستاذا.. نعم رجل تعليم.. مربّ نأتمنه على أبنائنا.. من يفترض أن يكون القدوة الحسنة .. من يعلّم أبناءنا الفضيلة، وهو ليس أيّ أستاذ إنه أستاذ لغة عربية ؟ الاستاذ الاقرب في الغالب الى التلاميذ.. الذي يقضي معهم الساعات الطوال في الحديث عن القيم الانسانية الثابتة.. كيف يمكن أن نشكّ في نزاهته؟
التقته صدفة أمام مكتب التشغيل بالعاصمة وهي العاطلة عن العمل منذ عشر سنوات كاملة.. عشر سنوات من القهر والذل والحرمان ومن طرق الابواب الموصدة .. عشر سنوات من الانكسار ومن البؤس والتقوقع واليأس ..
كان يهاتف شخصا ما فعلمت من خلال كلامه الذي تبين لاحقا أنه مفتعل ـ طبعا ـ أنه يشغل منصبا في مجال التعليم فسألته عن نتائج «الكاباس» متى سيعلن عنها فادّعى أنه متفقد لغة عربية وذكر اسمه ثم سألها عن اختصاصها وقدم لها رقم هاتفه ممّا جعلها تثق بكلامه ووعدها ان نجحت في المرحلة الاولى من مناظرة الكاباس بأن يساعدها بأن يوجهها ويبيّن لها على ماذا يجب ان تركز اهتمامها.. الخ ، ثم أخذ رقم هاتفها ...
ومن يومها صار يراسلها عبر الهاتف الجوال يسأل عن أخبارها وعن المناظرة وثقته بأنها ستنجح وبأن عليها البدء بالتحضير للكتابي، ثم مع الايام اقترح عليها ان تدفع مبلغا مثلما فعلت اخته لتلتحق بالتعليم مباشرة وألا تنتظر النتيجة فرفضت الامر رفضا قاطعا.. ولم ييأس وظل طيلة شهر رمضان يراسلها.. يطمئن عليها الى أن صدرت النتائج ولم تنجح في اجتياز عقبة الكاباس .. وأثر ذلك في نفسيتها كثيرا ليس لانها أخفقت بل لأنها لم تفوت مناظرة إلا وخضعت لها وكانت النتيجة واحدة رغم أنها كانت من الاوائل في كلية الاداب بمنوبة ، وهي التي أعياها البحث عن عمل ولكن دون جدوى .. وهي التي رجت أن تكون الثورة باب فرج في وجهها وفي وجه كل العاطلين عن عمل حتى ترجع القليل الى الوالدة قبل أن ترحل .. كان كلّ أملها أن ترد فقط بعض الجميل ..لكن كان الامر أن عادت الى نقطة الصفر ..
.. وتواصل المسلسل
التقاها بعد شهر رمضان وعرض عليها الامر مجددا وألحّ عليها ولكنها لم تبد حماسة ولم ير منها موافقة ، فكان أن فاجأها مساء بأنه معجب بها وبأنه يريدها زوجة .. ولكنها لم تردّ عليه ولم يحرك فيها ساكنا طلبه ولم تعره اهتماما .. لم تكن تفكر في الزواج مطلقا كانت تريد ان تعمل.. استغرب موقفها ، فقال إنه يملك منزلا بصدد البناء في ضواحي العاصمة ولذلك فهو لا يقدر على مساعدتها ولولا ذلك لما تردد في تسديد المبلغ مكانها..
وصارت الارساليات من يومها كلها في الحبّ.. رجل يفرض نفسه عيك فرضا صباحا مساء .. يسأل عنك في كل وقت .. عن أحوالك.. عن العائلة.. الى ان تستسلم للواقع وتحاول ان تفكر في الامر بعقلانية .. فهو رجل مناسب من حيث المستوى التعليمي .. ومن حيث شخصيته التي بدت صارمة وفيها الكثير من الجدية.. ولكنها لم تكن لم مقتنعة بعرض العمل مقابل دفع مبلغ رغم الظروف التعيسة التي كانت تحياها، ولكنه ظل يصرّ ويلحّ بعد ان حاول كثيرا أن يجعلها تثق به حيث التقاها يوما فقط ليحدثها عن أيام الجامعة وعن الاساتذة هناك بأسمائهم وعن المواضيع التي درسها.. وعن محاولاته في كتابة القصة والجوائز التي نالها.. كان كل كلامه لاثبات صدقه ولابعاد كل الشبهات عنه ولرفع مستوى الثقة..
ولكنها لم تقتنع وزادت شكوكها واختبرته في كثير من الاشياء وعلمت انه غير صادق.. ومع ذلك غضت الطرف .. كان كما القدر.. لم يترك لها المجال أبدا لتفكر في الهروب .. اختنقت.. فاستسلمت ولم يعد لها بعد سنوات من الانتظار على الرف أن تقاوم أكثر..ورضيت بالامر الواقع مقابل أن تحصل مقابل ما ستدفعه من مال على «كمبيالة» بالمبلغ وبعد ان سألت عنه من خلال رقم بطاقة التعريف الوطنية الموجودة بهذه الوثيقة علمت تاريخ ميلاده ومسقط رأسه وماذا يعمل فتبين انه استاذ ولكن قيل لها ان البطاقة مستخرجة منذ مدة وربما حصلت ترقية ولم يقع تحيينها ..
أخذ المبلغ المالي ووثائقها وظل يطمئن عليها كعادته عبر الهاتف فحسب وضرب لها موعدا فالتقيا ومثّل عليها دور العاشق وحاول التقرب منها.. ففهمت من تصرفاته أنه متلاعب فذهبت مباشرة الى الدائرة البلدية واستخرجت له مضمون ولادة لتكتشف أنه متزوج منذ سنوات طويلة وظلت تهاتفه وكأنها لا تعلم شيئا ، الى ان التقته وواجهته بالامر فأنكر.. وادعى بعدها انه تعرض الى حادث وأغلق الهاتف.
وانكشفت الحيلة
أمهلته كثيرا من الوقت.. ربما كان يعيش ظروفا تعيسة فلم يجد سوى هذا الحل؟ ثم اتصلت به بعد مدة ليردّ لها المال فأنكر ثم صار يراوغ كما الذئب.. لقد كان متحيلا عن جدارة حيث تبين أن نواياه خبيثة بعد أن تأكدت أنه لم يضع رقم الحساب البنكي الصحيح وقام بتغييره حسب قول موظف في البنك.
لقد نهب منها ألف دينار.. كانت أجر سنة دراسية كاملة .. سنة من الارهاق .. من التعب .. من الصداع والجوع .. من التنقل يوميا على متن سيارات «النقل الجماعي» .. حيث كانت هذه الاموال أجرة عملها كأستاذة معوضة في احدى الاعداديات ..
ألف دينار نهبها إيّاها أستاذ ادّعى انه متفقد في التعليم .. أستاذ يدرس القيم النبيلة .. أستاذ يتقاضى مثل هذا المبلغ خلال شهر واحد.. نهبها إياه « بصحة رقعة» دون تردد أو تفكير ولو للحظة واحدة في مصير عاطلة ماذا يمكن ان تفعل في نفسها حين تكتشف خداعه.. دون ان يفكر انها يمكن ان تقدم على الانتحار بسببه وهي المحبطة حدّ النخاع.. هذا المربي الفاضل الذي كاد يكون رسولا خطط أيضا للايقاع بها وأخذها معه الى بيته المؤجر بالعاصمة حيث أغراها بالذهاب معه هناك مرارا بعد ان حصل على المال..
هذا الاستاذ الذي لم يفتضح أمره سابقا حان اليوم الوقت لأن يكشف عنه القناع بعد أن تسبب حتما في موت الكثيرات نفسيا .. والذي لن يرتدع على ما يبدو إلا بالقانون..
ولعلّ الجدير بالذكر أن هذا الاستاذ درّس بالمعهد الثانوي بباب الخضراء ثم انتقل الى المدرسة الاعدادية بحي الرياض المرسى أما الآن فهو يدرّس بباجة.
وللاشارة فإنه وقع الاتصال بمدير معهد ابن رشد بتستور حيث يدرس هذا الاستاذ فأكد انهم يستغربون هم بدورهم عدم وصول ملفه الى اليوم .
نجاة